في بلدٍ تنقطع فيه الكهرباء ثم تأتي الفاتورة، كان ينقص اللبناني شيئًا واحدًا فقط: أن تلاحقه الدولة حتى فوق سطح منزله، وتسأله ماذا يفعل بكل هذه الشمس التي تجرأ واستعملها من دون إذن!
هكذا يأتي القرار المشترك رقم 134/أ المتعلق بتنظيم تركيب ألواح الطاقة الشمسية بقدرة إنتاجية تقل عن 1.5 ميغاوات، واضعًا أمام المواطن رحلة جديدة من النماذج والإفادات والمهندسين والبلديات والرسوم والموافقات. القرار، في أساسه، ليس شرًا مطلقًا؛ فمن الطبيعي أن تُراعى السلامة الإنشائية والكهربائية، وأن يخضع تركيب الألواح لمعايير تمنع انهيارها فوق رؤوس الناس أو تحويل الأسطح إلى مختبرات عشوائية. لكن المشكلة اللبنانية تبدأ عندما تتحول الحاجة إلى السلامة إلى بيروقراطية إضافية يدفع المواطن ثمنها قبل أن يرى أول واط من الكهرباء.
فالقرار يطلب، ضمن المستندات، مخططات وإفادات موقعة من مهندس إنشائي وآخر كهربائي أو إلكتروميكانيكي مسجلين في نقابة المهندسين، إلى جانب مستندات أخرى مرتبطة بالعقار، ويُحال الطلب إلى البلدية أو القائمقامية حيث لا توجد بلدية. ثم هناك مهلة خمسة عشر يومًا للبت فيه، مع قاعدة القبول الحكمي عند انقضاء المهلة من دون جواب، شرط تسديد الرسم المقطوع وفق قانون الرسوم والعلاوات البلدية.
أي إن الدولة، التي عجزت عن أن تؤمّن للناس تيارًا مستقرًا، قررت على الأقل أن تؤمّن لهم تيارًا من المعاملات.
المواطن هنا في مأزق عبقري لبناني: يدفع لمؤسسة كهرباء لبنان لقاء كهرباء لا تصله بالقدر الكافي، ويدفع لصاحب المولد لقاء كهرباء بديلة، ثم، إذا قرر أن ينقذ نفسه قليلًا بالطاقة الشمسية، تبدأ رحلة ثالثة مع المهندس والبلدية والرسوم والملفات. صار عندنا تقريبًا «ثلاثية الكهرباء اللبنانية»: كهرباء الدولة، كهرباء المولد، وكهرباء الشمس... والأخيرة تحديدًا تحتاج إلى ورقة تثبت أنها شمس قانونية!
والطريف أن القرار نفسه يضع البلدية في موقع المراقب على شروط إدارية وعمرانية وهندسية، فيما تتولى قوى الأمن الداخلي وشرطة البلدية ضبط المخالفات، ويتولى المهندسان الموقّعان الإشراف على التنفيذ وإصدار إفادة نهائية بالسلامة. يبدو المشهد وكأن المواطن لا يريد تركيب لوحين فوق منزله، بل يريد إنشاء مطار دولي.
أما السؤال الذي لا يجيب عنه القرار فهو: لماذا لا تكون هذه الإجراءات بسيطة ومجانية أو شبه مجانية لمن يريد تخفيف الضغط عن شبكة الكهرباء والمولدات؟ ولماذا لا تتعامل الدولة مع الطاقة الشمسية باعتبارها مصلحة عامة ينبغي تشجيعها، لا بابًا جديدًا لتحصيل الرسوم؟
لا أحد يعترض على السلامة، لكن السلامة شيء، وتحويل كل حل فردي لأزمة الدولة إلى مشروع رسوم شيء آخر.
والأجمل أن المواطن اللبناني بات قادرًا على تخيل المستقبل: بعد رسم البلدية، وأتعاب المهندس، وكلفة الألواح والبطاريات، قد يأتي يوم تستوفي فيه وزارة المالية «رسم الاستفادة من ضوء الشمس». وبعده ربما «بدل إطلالة على الشمس»، ورسوم على عدد ساعات الشروق!
لكن المزحة، في الحقيقة، ليست مضحكة تمامًا. فاللبناني الذي حُجزت أمواله في المصارف، ويُطلب منه أن يدفع للمولد، وللدولة، وللبلدية، وللمهندس، يريد شيئًا متواضعًا جدًا: أن يضيء منزله من دون أن يشعر أن كل ضوء جديد يحتاج إلى ترخيص.
فهل تعجز الدولة عن تأمين الكهرباء، ثم تنجح في اكتشاف طريقة لتنظيم الشمس؟
هذا، في لبنان، ليس مستحيلًا. إنها فقط المرحلة المقبلة من سياسة «ادفع... ثم الله ينوّر عليك».






















































